تسجيل الدخول

كلمة في الذكرى 206 لميلاد الفيلسوف كارل ماركس

2024-05-06T10:52:37+00:00
2024-05-06T11:10:17+00:00
الاقتصادالسياسةالمجتمع
said rahim6 مايو 2024آخر تحديث : منذ 3 أسابيع
كلمة في الذكرى 206 لميلاد الفيلسوف كارل ماركس

سعيد رحيم

لست فيلسوفا ولا ناقدا إبستيمولوجيا لما خلفه الفيلسوف الألماني أو بالأحرى العالمي كارل ماركس، الذي جعل الدياليتكيك ماديا يمشي على رجليه بدل مشيه مقلوبا، عند مواطنه الفيلسوف فريدريك هيغل، على رأسه.

كارل ماركس أب الإشتراكية العلمية التي استولدها من تفكيكه للتاريخ البشري ومن العوامل الرئيسية المكونة له؛ الإقتصاد والمجتمع والسياسة اعتمادا على مقولته الشهيرة “ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم الإجتماعي بل على العكس من ذلك وجودهم الإجتماعي هو الذي يحدد وعيهم”.

هذه المقولة بالنسبة لمن هم على شاكلتي من المهتمين إلى حد ما بعلم الاجتماع السياسي، وممتهن من درجة عادية للصحافة، هي بمثابة بوصلة لفهم ميكانيزمات تطور تاريخ الشعوب، على الأقل، من فترة نشوء الرأسمالية وتطورها المتصاعد إلى حد بلوغها مرحلة الإمبريالية ثم محاولة تلطيف أوج مرحلتها المتوحشة ونعثها ب “النيوليرالية”.

إنها أيضا المقولة الجوهرية القادرة أولا على جعل الإنسان العاقل يعي ذاته ومحيطه الخاص. كما إنها ثانيا المنظار المنهجي الموجِّه لقراءة واستيعاب وتحليل التحولات التي تطرأ على المجتمعات البشرية وعلى أنماط إنتاجها وصراعها الطبقي بالأساس قبل تركيب التوقعات المحتملة لهذا الصراع.

لقد خلصت أعمال الفيلسوف كارل ماركس – انطلاقا من مؤلفاته النظريه واجتهاداته ونضاله إلى جانب الطبقة العاملة والنخب المتنورة من كبار مثقفي المرحلة على رأسهم رفيقه فريدريك إنجلز – خلص إلى أن مآل البشرية في ظل أوج تراكمات الإمبريالية الرأسمالية وانفجار تناقضاتها واضمحلالها عن طريق الثورة العمالية هو الحتمية التاريخية لبناء المجتمع الاشتراكي كمرحلة انتقالية لعلاقات الإنتاج من “استغلال الإنسان لأخيه الإنسان” في إطار الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج إلى علاقة إنتاج تقوم على شعار “من لا يعمل لا يأكل” في إطار الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، قبل التحرك نحو تحقيق نمط الإنتاج الشيوعي الذي تتترسخ فيه الملكية الجماعية المشاعية لوسائل الإنتاج وتنمحي فيه الطبقات والدولة كأداة للقمع طبقي وظهور علاقات إنتاج بديلة تقوم على مبدأ “من كل حسب طاقاته ولكل حسب حاجياته”.

وقد توقع كارل ماركس حدوث هذه الثورة الإشتراكية، بقيادة الطبقة العاملة، في بلدان العالم الصناعي حيث الرأسمالية تصل إلى قمة تطورها كإمبريالية توسعية تضطر – للحفاظ على أسواقها في مستعمراتها المباشرة وغير المباشرة ولحل أزماتها التنافسية الخارجية المتتالية – إلى الدخول في مواجهات عسكرية تتضرر منها بالدرجة الأولى شعوب الرخاء في بلدان المركز الرأسمالي بريطانيا أساسا وألمانيا، كما توقع ذلك كارل ماركس.

ويكون للطبقة العاملة، التي عاشت في رخاء شامل طيلة مراحل ازدهار الرأسمالية الإمبريالية، رد فعل قوي ثائر وحاسم ضد الحروب التي تشنها الرأسمالية باسمها وعلى حساب أوضاعها المعاشية الضريبية، المادية والمعنوية والأخلاقية والحضارية حتى، كما هو حاصل اليوم في مراكز الإمبريالية الرأسمالية في الولايات المتحدة وأوروبا بسبب الحروب المشتعلة منها أساسا الحرب الإبادة الجماعية الإمبريالية على فلسطين.

وهكذا فإن توقع كارل ماركس انبثاق الثورة من مركز الرأسمالية وليس من غيرها توقع منسجم مع التطور الطبيعي الجدلي للتاريخ. ذلك أن الوعي الثوري للطبقة العمالية ومجموع الكادحات والكادحين والطلبة الذين نشأوا في مجتمع مشبع بقيم مجتمع الاستهلاك الذي تحول إلى إمبريالية متوحشة تأكل من لحمه ودمه، يصبح وعيا سياسيا لا رجعة فيه، منه تتواصل حركية التاريخ لبناء نمط إنتاج جديد على أنقاض النمط القديم في صيرورة غير تراجعية ولا مرتبطة بزمن محدد.

إنه بهذا التصور السوسيو-اقتصادي والسياسي الجدلي للحتمية التاريخية يمكن فهم أطروحة ماركس لماذا توقع انطلاق الثورة الإشتراكية في بريطانيا.

وهي أطروحة تظل محافظة على مصداقيتها إلى اليوم، لأنها عندما تتحقق لن تكون في حاجة للعودة إلى الوراء على خلاف ما حدث في روسيا بعد الثورة البلشفية التي اضطرت بعد سنوات قليلة على نجاحها إلى العودة إلى أشكال الاقتصاد الرأسمالي لإنقاذ البلاد من الانهيار، فيما سمي آنذاك ب”السياسة الاقتصادية الجديدة”. وكذلك سياسة اقتصاد السوق فيما بعد ثورة الصين الشعبية باعتبارهما بلدان زراعية، بالمقام الأول وأقل تصنيعها بالمقارنة مع بلدان المركز الرأسمالي، وأكبر البلدان التي تحققت فيها الثورة الاشتراكية خلافا لما توقعه كارل ماركس. إنها شئنا ذلك أم أبينا، تدابير العودة إلى شكل من أشكال رأسمالية الدولة بدل السير مباشرة لتحقيق الإشتراكية والمجتمع الإشتراكي ذي الأفق الشيوعي.

وعلى هذا الإيقاع، يمكن القول إن ما حدث في روسيا وفي الصين من ثورة على أنظمة لم تبلغ بعد قمة التراكم والإشباع الرأسمالي هو حدث من باب حرق المراحل أو ما كان يطلق عليه ماو تسي تونغ “الطفرة”.

بينما الثورة الحقيقية على الرأسمالية هي تلك التي تنبعث من قلب مراكز النظام الرأسمالي الإمبريالي، كما توقع ذلك ملهم الثورة الإشتراكية كارل ماركس، دون الحاجة للعودة إلى الوراء.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.